Page 140 - web
P. 140

‫‪ISSUE No. 455‬‬

                    ‫حياتهم أو تبني مواقف متطرفة مضادة‪ ،‬كما أن التهديد‬                ‫ومن منظور علم النفس الاجتماعي‪ ،‬تعد الطاعة العمياء آلية‬
                    ‫المستمر الناجم عن الإرهاب يوفر مناً ًخا من التوتر يمكن أن يزعزع‬  ‫نفسية قوية قد تدفع أشخاًًصا عاديين إلى ارتكاب أفعال عنيفة‬
                                                                                     ‫أو لا أخلاقية‪ ،‬فقط لأنهم تلقوا أوامر من سلطة يرونها شرعية أو‬
                                                           ‫التماسك المجتمعي‪.‬‬         ‫ذات هيبة‪ ،‬حيث كشفت تجارب علمية شهيرة عن مدى هشاشة‬
                    ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن الطاعة العمياء تؤدي إلى تعطيل الضمير‬
                    ‫الفردي وتحويل الأشخاص إلى أدوات لتنفيذ برامج المتطرفين‬                                  ‫الإنسان أمام هذه الآلية‪ ،‬ومن أبرزها‪- :‬‬
                    ‫وأجنداتهم‪ ،‬فعندما تنتشر ثقافة الطاعة المطلقة في مجتمع‬            ‫تجربة ميلغرام (‪1961‬م)‪ :‬التي أظهرت أن نحو ‪ ٪65‬من‬
                    ‫لرموز المتطرفين‪ ،‬فإنها تلغي الحوار والنقاش العقلانيين‪،‬‬           ‫المشاركين كانوا مستعدين لإعطاء صدمات كهربائية قاتلة‬
                    ‫فاجتماع الإرهاب كفكر عنيف والطاعة العمياء كسلوك تابع‬             ‫لشخص بريء‪ ،‬فقط لأن الباحث أمرهم بذلك‪ ،‬وقد كشفت هذه‬
                    ‫ينتجان مزيًًجا مدمًًرا ينخر في جسد المجتمع؛ فالأول يبث الرعب‪،‬‬    ‫النتيجة الصادمة أن كثيًًرا من الناس قد يرتكبون أفعااًلا مؤذية‬

                                                          ‫والثاني يسهل انتشاره‪.‬‬                         ‫أثناء تنفيذهم للأوامر دون تفكير ناقد لها‪.‬‬
                    ‫ولفهم التفاعل بين المفهومين‪ ،‬يمكن القول بأن الإرهاب‬              ‫تجربة سجن ستانفورد (‪1971‬م)‪ :‬التي أدارها فيليب زيمباردو‪،‬‬
                    ‫يستغل آلية الطاعة العمياء كوقود لاستمراره؛ فقادة الجماعات‬        ‫حيث تحول طلاب جامعيون إلى «حراس» قساة خلال أيام قليلة‪،‬‬
                    ‫الإرهابية يهدفون إلى السيطرة الكاملة على أتباعهم‪ ،‬فيعملون‬        ‫نتيجة اندماجهم في أدوار سلطوية داخل بيئة مصطنعة‪ ،‬وقد‬
                    ‫على ترويض العقول وطمس قدرة الفرد على التفكير المستقل‪،‬‬            ‫أظهرت التجربة كيف يمكن للسلطة والبيئة أن تعيد تشكيل‬
                    ‫فهم يستهدفون غالًًبا الفئات الضعيفة والبسيطة في‬                  ‫سلوك الأفراد وتدفعهم إلى ممارسات عنيفة دون وعي منهم‪.‬‬
                    ‫المجتمع‪ ،‬ويقومون بتلقينهم الإيمان الأعمى بفكرة متطرفة أو‬         ‫ولعل هاتين التجربتين‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬تبرزان كيف يمكن للإنسان أن‬
                    ‫بشخصية الزعيم‪ ،‬مستخدمين أساليب متنوعة من غسل الدماغ‬              ‫يفقد بوصلته الأخلاقية حين يسلم وعيه لسلطة آمرة‪ ،‬ويعطل‬
                                                                                     ‫قدرته على التفكير النقدي‪ ،‬وهذا ما تستغله التنظيمات الإرهابية‬
                                                            ‫والترهيب والترغيب‪.‬‬       ‫في عمليات غسل الأدمغة والتجنيد‪ ،‬مما يفضي إلى تحويل الأتباع‬
                    ‫ومن خلال التكرار الدعائي والعزلة الفكرية‪ ،‬تعاد صياغة وعي‬         ‫والفئات المستهدفة إلى منفذين آليين لمخططاتها وأعمالها‬
                    ‫الفرد على نحو يقصيه عن ذاته‪ ،‬ويدمجه في منظومة مغلقة‬
                    ‫من الطاعة المطلقة‪ ،‬فالمطيع لا يناقش‪ ،‬ولا يراجع‪ ،‬بل ينفذ‬                                             ‫دون وازع أخلاقي أو ديني‪.‬‬
                    ‫الأوامر بانفعال يشبه الإيمان‪ ،‬ويعامل ذلك الانقياد كفضيلة‬
                                                                                     ‫تأثير الإرهاب والطاعة العمياء على السلوك المجتمعي‬
                                                             ‫تكافأ‪ ،‬لا كخضوع‪.‬‬        ‫يؤدي الإرهاب إلى نشر الخوف وانعدام الثقة داخل المجتمع‪،‬‬
                    ‫ومع مرور الزمن‪ ،‬لا تبقى الطاعة مجرد سلوك مؤقت‪ ،‬بل تتحول‬          ‫مما يؤثر على سلوك الناس اليومي؛ فانتشار أخبار الهجمات يولد‬
                    ‫إلى نمط وجودي يعيد تشكيل الولاء والانتماء؛ إذ يذوب ارتباط‬        ‫حالة من القلق والترقب‪ ،‬وقد يدفع البعض إلى تغيير أنماط‬

               ‫‪139‬‬
   135   136   137   138   139   140   141   142   143   144   145